الثلاثاء، أكتوبر 11

ليس المال هو كل شيء Time isn't money


المثل الإنجليزي المشهور "Time is money" الذي يختزل الزمن كله في المال والذي يردده الناس بغباء وجهالة كالببغاوات، فكرة خاطئة ومفبركة لأن الزمن هو شيء أكثر بكثير من المال بل ليس هناك حتى وجه للمقارنة، ونرتكب خطأ فادحا عندما نقارن الكلي بالجزئي، فالزمن ليس هو المال أبدا، بل الزمن هو نهر الحياة الذي يرويها في جريان دون توقف منذ الخلقة الأولى إلى أن يأذن الله بانقطاع سريانه، لكن الفكر البشري المنحرف هو الذي أله وقدس المال كما قدس أيضا السلطة والجنس، فغير جلده من وسيلة إلى غاية حتى  أصبح معظم البشر اليوم  لا يفكر إلا في المال، فالذي عنده منه ما يزيد عن حاجته مشغول به ليل نهار وغير قانع ولا راض  عن ذلك، والذي ليس لديه منه شيء فكره منشغل  بأموال الآخرين ويتحين أي فرصة سانحة للانقضاض عليها بأية وسيلة كانت، لقد أصبح الشغل الشاغل لأغلبية بني البشر، وكما قال السياسي والأديب الأنجلوإيرلندي جوناثان سويفت: " لا أحد يقبل النصائح، ولكن كل
الناس تقبل المال، وعليه فإن المال أفضل من النصائح"، ومرد ذلك كله كما يقول الدكتور ألكسيس كاريل في كتابه الممتع والمفيد "الإنسان ذلك المجهول" راجع  إلى الأمراض الأدبية والأخلاقية التي تعاني منها الحضارة الحديثة، لأن هذه الأمراض تفسد الصحة فسادا عظيما، ويضرب ألكسيس كاريل مثالا غريبا ولكنه وقع بالفعل: فلقد ابيض شعر امرأة بلجيكية حكم عليها الألمان بالإعدام في الليلة السابقة لتنفيذ حكم الإعدام فيها، إن المقصود بالصحة ليس الصحة الجسدية وحدها  بل بالدرجة الأولى الصحة الروحية أو النشاط الروحي التي أهمل علماء الصحة والأطباء والمربون ورجال الاجتماع دراستها إهمالا يكاد يكون تاما، إذ أنها تفتح للإنسان عالما جديدا، فالصلاة كما يجب أن تفهم ليس مجرد ترديد آلي للطقوس ولكنها ارتفاع لا يدركه العقل، إنها الشعور في تأمل مبدإ يخترق عالمنا ويسمو عليه، فمثل هذه الحالة السيكولوجية ليست عقلية، إن  الشخص المتجرد من متاع الدنيا يشعر بالله بمثل السهولة التي يشعر بها بحرارة الشمس، فالحضارة كما يقول ألكسيس كاريل لم تفلح لحد الآن في خلق بيئة مناسبة للنشاط العقلي، وترجع القيمة العقلية والروحية المنخفضة لأغلبية بني الإنسان إلى حد كبير للنقائص الموجودة في جوهم السيكولوجي: إذ أن تفوق المادة ومبادئ دين الصناعة حطمت الثقافة والجمال والأخلاق، كما أن الجماعات الاجتماعية الصغيرة التي لها شخصيتها وتقاليدها الخاصة تحطمت بفعل التغيرات التي طرأت على عاداتها، وتدهورت الطبقات المثقفة لانتشار الصحف انتشارا واسع المدى، كذا الأدب الرخيص والراديو ودور السينما، ومن تم فإن ازدياد الطبقة الغبية آخذ في الازدياد أكثر فأكثر بالرغم من كمال المناهج التي تدرس في المدارس والكليات والجامعات "والملابس لا تصنع الراهب" كما يقول المثل الفرنسي، ومن العجيب أن بلادة الدهن توجد غالبا حيثما تتقدم المعرفة العلمية، إن أطفال وطلبة المدارس يكونون عقلهم من البرامج السخيفة التي توضع لوسائل التسلية العامة، ومن تم فإن البنية الاجتماعية تناهض نمو العقل بكل قوتها بدلا من أن تعمل على هذا النمو، ويستطرد كاريل قائلا يجب أن ننهض ونمضي، يجب أن نحرر أنفسنا من التكنولوجيا العمياء ونفهم تعقد طبيعتنا وخصبها، لقد حددت علوم الحياة أهدافها للإنسانية ووضعت الوسائل المؤدية إلى بلوغها، ولكننا لا زلنا غارقين في عالم خلقته علوم الجماد دون أي احترام لقوانين نمونا في عالم لم يصنع لنا لأنه ولد بسبب غلطة ارتكبها عقلنا وبسبب جهلنا بذاتنا الحقيقية، وليس في استطاعتنا أن نكيف أنفسنا لهذا العالم، ولأول مرة في تاريخ البشرية تستطيع حضارة متداعية أن تميز أسباب انحلالها، ولأول مرة تجد مثل هذه الحضارة قوة العلم الهائلة تحت تصرفها، ترى هل ستستخدم هذه المعرفة وهذه القوة؟   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق